سفير الظلآم
11-12-2010, 09:19 PM
أنـا حـبيب ...
قـال الشيخ معرّفـاً نفســه :
- أنا حـبيب بن مظاهر ، أنتـمي إلى إحـدى بيوتات بنـي أسـد .
وكـان رجل طاعن في السـن ، عارف بالأنسـاب فعرفـه وقـال :
- صـدق هـذا ابن رئـاب بن الأشتر بـن فقعس بـن طريف بن قيس بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد .
وقـال رجـل آخـر :
- نعـم هذا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، سكن الكوفة أيام أمير المؤمنين علي (ع ) ، وقاتل معـه في حرب الجمل وصفين والنهـروان .
سـأل أحـدهم :
-ولكن مـاذا جاء بك يا شيـخ بني أسـد ؟
فقـال حبيب بوجهـه الهادئ :
-جئتكـم بخير مـا أتـى به رائـد قومـه .
تطلّع الرجـال إليـه باهتمـام . فقـال :
-هـذا الحسين ابن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسـول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نزل بين ظهرانيكم ( قريبـاً منكم ) في عصـابة ( جمـع ) من المؤمنين وقد أحـاط بـه أعداؤه ليقتلوه ، فأتيتكـم لتمنعـوه ( لتحمـوه )
وتحفظوا حرمـة رسول الله فيه ، فوالله لئن نصرتمـوه ليعطينكـم الله شـرف الدُّنيـا والآخــرة .
نهض أحـد الرجال وكان اسمه عبدالله بن بشـير الأسـدي وقـال :
-شـكر الله سعيك يا أبا القاسـم فوالله لقـد جئتنـا بمكـرمة يستأثر بهـا المترء الأحب فالأحبّ ، أما أنا فأوّل مَن أجـاب .
ونهض رجـال كثيرون ، واستيقظت القبيلة رجالها ونساؤها وأطفالها ، وأعلنوا تأييـدهم ، وتطـوّع الرجـال للقتال دفاعاً عن الإمـام الحسين سبط سـيّدنا محمّـد ( صلى الله عليه وسلم ) .
بلغ عـدد المتطـوعين تسعين مقاتلاً ، خـرج حبيب يقودهـم نحـو منطقة تدعـى كربـلاء ، حيث معسـكر الإمـام الحسين (ع) وأهـل بيتـه وأنصـاره مـن المؤمنيـن .
كـان في بنـي أسـد رجـل خائن ، فانسـلّ في الظلام وأسـرع ليخبـر "عمـر بن سـعد" قـائد جيش يزيد .
كان جيش يزيد قـد قـطع الطريق على قافلة الإمـام الحسين ، ومنـع عنهـم المـاء .
جهـزّ عمر بن سـعد فرقـة مـؤلفة من خمسمائة فـارس بقيـادة رجـل يدعـى " الأزرق " .
قطـع الفرسـان الطـريق على بنـي أسـد ، طلب الأزرق مـن بنـي أسـد العودة فرفضوا ، فنشبت معـركة سـقط فيها رجـال من بني أسـد قتلى وجـرحي .
أدرك المتطوعون أنّهم أمـام جيش كبير ومن ورائه إمدادات كبيرة ففضّلوا الانسـحاب .
وعندما وصلوا إلى مضارب قبيلتهم حذروا قومـهم من البقـاء في هذه المنطقـة .
بـادر الرجال إلى جمع الخيام بسرعة والانتقـال إلى مكـان آخـر في الصحـراء.
عـاد حبيب وحيـداً ، كـان يشـعر بالحـزن لما حصـل ، فأخبـر الإمـام الحسين (ع) .
فقـال الإمـام (ع) : ومـا تشـاؤون إلاّ أن يشـاء الله ولا حـول ولا قـوة إلاّ بالله .
فـي كـربـلاء ...
عندمـا مـات معاوية بن أبي سفيان جـاء إلى الحكم بعـده ابنـه يـزيد فأصبحت الخلافة ملكاً يتوارثه الأبنـاء عـن الأبـاء .
كـان يـزيد رجلاً فاسـقاً ، أي منحرفاً عن الإسـلام ، فهو يشـرب الخمـر ويرتكب المحرّمـات، كما أنّـه يقضي وقتـه في اللعب واللهـو مه كـلابه وقروده ، بهـذا امتنـع الإمام الحسين عن مبايعتـه .
وكـان الناس في كثير من المدن الإسلامية يعانـون ظلـم بنـي أُميـة ، وكان أملهم أن يمـوت معاوية فيتخلصوا مـن الظـلم .
عنـدما عرفوا أن يـزيد أصبـح خليفة تألمـوا كثيراً وشـعروا بالغضب ؛ إذ كيف يحكـم يـزيد بـلاد الإسـلام ، وهو لا يحتـرم الإسـلام ولا يحـبّ المسلمين ؟!
وكـان الناس في الكوفـة يحبّـون الإمـام علي بن أبي طالب (ع) لمـا رأوه مـن العدل والرحـمة في عهده ، لهذا بعثـوا آلف الرسائل إلى ابنه الإمام الحسين (ع) ، فهو ابن فاطمة الزهـراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كما أن الناس يعرفون سيرتـه وإنسانيته وحبّـه وعطـفه على إخوانه المسلمين .
كـان الإمام الحسين في مكّة يستقبل الوفـود ومعهم رسائل كثيرة تحمـل آلاف التواقيع والأسماء وكلّهم يقولون : أقـدِم علينا ليس لنا إمـام (قائد) غيـرك .
عنـدما يشـعر الناس بالظلم والقهـر وعندما يجـوعون ويتعذبون فانّهـم يبحثـون عن إنسـان يخلّصهم من الظلم ويحرّرهم من الاسـتعباد ، لهـذا توجّهت أنظـارهم نحـو الإمـام الحسين ، فهو الوحيد القادر على تخليصهم من العذاب والقهـر .
اسـتجاب الإمـام الحسين (ع) لطلبهم ، وعقد العزم على الثورة ضـدّ يـزيد بن معاوية . فغادر مكّـة متوجهاً نحـو الكوفـة .
أخـذ معه عيـاله من أطفال ونسـاء وبنـات وكـان معه رجـال من أهل بيتـه وأنصـاره .
الحصــار ...
كـان عبيد الله بن زيـاد قـد أرسل فرقـة عسكرية مؤلفـة من ألف فـارس لقطـع الطريق على قافلـة الإمـام الحسين .
كـان الجوّ حـارّاً جدّاً ، وقد نفـد ما عندهم من المـاء ، وعندما رآهم الإمـام الحسين بهذه الحالة أمـر أصحابه أن يسقوهم المـاء ؛ فسقوهم وسقوا الخيل أيضاً .
عندمـا أصبحوا قريبـاً من نهـر الفـرات عسكر الإمام الحسين ، ونصبت الخيـام وصلت الفـرق العسكرية وأصبح جيش يـزيد أكثر مـن أربعة آلاف مقاتل ؛ فاحتلوا شـاطئ الفـرات ، وفرضوا حصاراً على معسـكر الإمـام الحسين وأصحابه ومنعوهم عـن المـاء .
أرسـل عمـر بن سـعد رجـلاً يدعـى قـرّة بن قيـس وقال له :
-سـل (اسأل) الحسين لماذا جـاء إلى الكـوفة ؟
عندما جـاء قـرّة بن قيـس ، سـأل الإمـام الحسين حبيب بن مظاهـر :
-هـل تعـرفه ؟
فقـال حـبيب :
-نعـم .. هـذا قـرّة بن قيـس لقد كنت أعـرفه بحسن الرأي وما كنت أظنّـه يقاتلك.
جـاء قـرّة وسـلَّم على الإمـام وأبلغه رسـالة عمر بن سـعد ، فقـال الإمام :
-لقـد أرسل إلىّ أهـل الكوفـة بأن أقدم إليهم فإذا كرهونـي انصرفت عنهـم .
سـكت قـرّة بن قيـس فقـال حبيب :
-ويحـك يا قـرّة كيف ترجـع إلى القـوم الظالمين ، انصـر الحسـين قـال قـرّة :
-سـأعود بالجـواب إلى عمـر ثـم أُفكّـر .
تاســوعاء...
عندمـا حـلّ يـوم التاسـع من شـهر محـرّم الحرام سنة 61هـ أراد عمـر بن سـعد الهجوم ليلاً ، فزحف بقـوّاته نحـو معسـكر الحسين .
سـمعت زينب بنت علي بن أبي طالب أصوات العـدوّ فقالت لأخيهـا الحسين :
-لقـد اقتـرب العــدوّ .
أمـر الإمـام الحسين أخـاه العباس أن يسـألهم .
ركب العباس فرسـه ومعـه عشـرون فارسـاً وكـان معـه حبيب بن مظـاهر . فسألهم العباس عمّـا يريدون ، فقالوا :
-أمّـا أن تنزلوا على إرادة عبيـدالله بن زيـاد دون قيـد أو شـرط ، أو الحـرب .
عـاد العباس إلى الإمـام الحسين ليخبـره .
ظـلّ حبيب في مكـانه وراح ينصحهـم قائـلاً :
-أمـا والله لبئس القوم أنتـم عند الله غـداً ، قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّـة نبيّـه وأهل بيتـه وعبّاد أهـل هـذا المصر ( الكوفـة ) ، المتهجدين بالأسحار ( الذين يصلّن لله بعد منتصف الليل) الذاكرين الله كثيراً .
قـال أحدهم واسـمه عـزرة :
-انّك لتزكّـي نفسـك يا حبيب .
فـردّ زهيـر:
-أن الله قد زكّاها وهداها فاتّق الله يا عـزرة فإنـي لك من الناصحين قال عـزرة :
-يا زهيـر ما كنت عندنا مـن شيـعة أهل البيـت .
قـال زهيـر :
-كنت عـائداً من الحـج فجمعني وإيّـاه الطريق فذكـرت بـه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ورأيت أن أنصـره وأجعـل نفسـي دون نفسـه .
مـن أجـل الصــلاة ...
عنـدما ذهب العباس لخبر أخـاه ، قـال الإمـام :
-ارجع إليهم واستمهلهم ( اطلب منهم مهلة ) هذه العشية (الليلة ) إلى غـد لعلّنـا نصـلّي لربنّـا الليلة وندعوه ونستغفره فهـو يعلم انـي أحبّ الصلاة له وتلاوة كتـابه وكثرة الدعاء والاستغفار .
عـاد العباس إليهم واسـتمهلهم إلى غـد .
فكـر ابن سـعد قليلاً وظـنّ أن الإمـام الحسين ربّمـا سيغيّر رأيـه ويتنازل ، لهذا وافق على تلك المهلة وقـال :
-أنّـا أجلناكم إلى غـد فإن استسلمتم سـرحنا بكـم (أخذناكم ) إلى الأمير بن زيـاد وان أبيتم (رفضتم ) فلسـنا تاركيكم .
الاســتعداد للمعركــة...
انصـرف الإمـام وأصحابه إلى الصـلاة والدعـاء وقـراءة القرآن ، لأنّهـا ستكون آخـر ليلة لهم في هـذه الدُّنيـا.
كانت الخيـام متباعـدة بعضهـا عن بعض ، فأمـر الإمـام أن يقاربوا بينهـا حتى تتشابك الأوتاد، ويصعب على العـدوّ اختراقها إذا أراد الهجـوم . كما أمـرهم بحفر خندق خلف الخيام ليكون القتـال في جبهة واحـدة .
وجـمع الإمـام أصحـابه وقـال لهـم :
-اثنـي على الله أحسن الثنـاء وأحمـده على السـرّاء والضـرّاء . اللّهم إنّـي أحمـدك على أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنـا أسـماعاً ,أبصـاراً وأفئـدة ولـم تجعلنا مـن المشركين .
أمّـا بعـد فاني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيـراً من أصحابي ولا أهـل بيت أبـرّ وأوصـل من أهل بيــتي فجزاكـم الله عنـي جميعاً .
وأنـي أظـنّ يومنـا من هؤلاء الأعـداء غـداً وانّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حـل ليس عليكم ذِمـام ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيـد رجل من أهـل بيتـي .
رفض الجميـع ذلك فمـا قيمة الحيـاة يعيشها الإنسـان بـذلّ . وقالـوا :
-نفـديك بأنفسـنا وأموالنـا وأهلينـا ونقاتـل معـك .
الأســــــــــير ...
وفـي الأثنـاء وصـل شـاب ، كـان يبحث عن أبيـه محمـد بن بشير الحضـرمي .
قـال الشـاب لأبيـه :
-لقـد وقـع أخـي فـي الأسـر في ثغـر الري ( قرب طهران ) .
فقـال الأب :
-مـا أحبّ أن يؤسـر وأنـا أبقـى بعـده حيّـاً .
قـال الإمـام الحسـين :
-أنت فـي حـلّ من بيعتـي فاعمـل في فكـاك ولدك مـن الأسـر .
رفض محمـد بن بشـير قائـلاً :
-لا والله لا أفعـل ذلك ، أكلتنـي السـباع حيّـاً إن فارقتـك .
فأعطـاه الإمـام خمسـة أثـواب قيمتها ألف دينـار وقـال :
-أعطهـا ابنك ليعمـل في فكـاك أخيـه .
وهكذا كـان أصحاب الإمـام الحسين (ع) يفضّلون المـوت مع الإمـام على حيـاة الذّل مع الظالمين .
خيمـة زينـب ...
خـرج الإمـام الحسين في منتصف الليـل لتفقّـد التـلال القريبـة ، فـرآه أحـد أصحابه واسـمه نافـع بن هـلال الجملي ، فتبعـه فسـأله الإمـام عـن سـبب خـروجه فقـال :
-أخـاف عليك الغـدر يا بـن رسـول الله .
فقـال الإمـام الحسـين :
-خرجت أتفقّـد التلاع والروابـي مخـافة أن تكون مكمنـاً لهجـوم الخيل يـوم تحملون ويحملون .
عـاد الإمـام الحسين ممسكاَ بيـد صاحبه الوفـيّ هـلال ؛ وفي الطريق قـال له الإمـام :
-ألا تسـلك بين هـذين الجبلين فـي جـوف الليـل وتنجـو بنفسـك .
بكـى هـلال وقـال :
-وكيف أتركـك وحيـداً ... لا والله حتـى أُقتـل معـك .
وعندما وصـل الإمـام للخيـام ، دخـل خيمـة أختـه زينـب ، ووقـف هـلال ينتظـر .
سـمع هـلال زينـب تقـول لأخيهـا :
-هـل استعلمت ( عرفت ) مـن أصحابك نيّـاتهم ، فأنّـي أخشـى أن يسلموك عنـد الوثبـة (بـدء المعركة ) .
فقـال الإمـام :
-والله لقـد بلوتهـم (امتحنتهم) فمـا وجـدت فيهم إلاّ الأشـوس (الشجاع) يستأنسون بالمنيـة (المـوت)دوني (من أجلي) استئناس الطفل إلى محالب (ثـدي ) أمّـه .
عندما سمع نافع كلام زينب ، بكـى ثم مضى إلى خيمـة حبيب بن مظاهر وحكى له مـا سمعه وقـال :
-من الأفضل أن نذهب إليها ونطمئنها ، ولعلّ النساء قـد اسـتيقظن وشـاركنها في قلقهـا وحزنهـا.
نهـض حبيب ، وغـادر الخيمـة ؛ ونـادى :
-يـا أصحاب الحميّـة
خـرج الرجال من خيامهم كالأسـود ، وتحلّقوا حـول حبيب ، فقـال لهم :
-أمضـوا بنـا إلى خيمـة زينب نطيّب خاطرهـا وخاطر النسـاء .
مضى الرجـال وهـم يحملون أسلحتهم إلـى خيمـة زينب ، وعنـدما وصلوا هناك اصطفـوا خلف حبيب وصـاحوا :
-يـا معشـر حرائر رسـول الله (صلى الله عليه وسلم ) هذه صوارم ( سيوف) فتيانكم آلـوا (أقسموا) ألاّ يغمدوها إلاّ في رقـاب من يريد السـوء فيكم ، وهذه أسـنّة (رمـاح) غلمانكم أقسموا ألاّ يركـزوها إلاّ فـي صـدور مـن يفـرّق ناديكـم .
خـرجت زينب وخلفهـا النسـاء وهـن يبكيـن وقلـن :
-أيُّـها الطيّبـون حاموا عن بنـات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين .
بكـى حبيب وبكـى معـه أصحابه وأقسـموا علـى الدفـاع والمقاومـة حتـى المـوت .
قـال الشيخ معرّفـاً نفســه :
- أنا حـبيب بن مظاهر ، أنتـمي إلى إحـدى بيوتات بنـي أسـد .
وكـان رجل طاعن في السـن ، عارف بالأنسـاب فعرفـه وقـال :
- صـدق هـذا ابن رئـاب بن الأشتر بـن فقعس بـن طريف بن قيس بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد .
وقـال رجـل آخـر :
- نعـم هذا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، سكن الكوفة أيام أمير المؤمنين علي (ع ) ، وقاتل معـه في حرب الجمل وصفين والنهـروان .
سـأل أحـدهم :
-ولكن مـاذا جاء بك يا شيـخ بني أسـد ؟
فقـال حبيب بوجهـه الهادئ :
-جئتكـم بخير مـا أتـى به رائـد قومـه .
تطلّع الرجـال إليـه باهتمـام . فقـال :
-هـذا الحسين ابن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسـول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نزل بين ظهرانيكم ( قريبـاً منكم ) في عصـابة ( جمـع ) من المؤمنين وقد أحـاط بـه أعداؤه ليقتلوه ، فأتيتكـم لتمنعـوه ( لتحمـوه )
وتحفظوا حرمـة رسول الله فيه ، فوالله لئن نصرتمـوه ليعطينكـم الله شـرف الدُّنيـا والآخــرة .
نهض أحـد الرجال وكان اسمه عبدالله بن بشـير الأسـدي وقـال :
-شـكر الله سعيك يا أبا القاسـم فوالله لقـد جئتنـا بمكـرمة يستأثر بهـا المترء الأحب فالأحبّ ، أما أنا فأوّل مَن أجـاب .
ونهض رجـال كثيرون ، واستيقظت القبيلة رجالها ونساؤها وأطفالها ، وأعلنوا تأييـدهم ، وتطـوّع الرجـال للقتال دفاعاً عن الإمـام الحسين سبط سـيّدنا محمّـد ( صلى الله عليه وسلم ) .
بلغ عـدد المتطـوعين تسعين مقاتلاً ، خـرج حبيب يقودهـم نحـو منطقة تدعـى كربـلاء ، حيث معسـكر الإمـام الحسين (ع) وأهـل بيتـه وأنصـاره مـن المؤمنيـن .
كـان في بنـي أسـد رجـل خائن ، فانسـلّ في الظلام وأسـرع ليخبـر "عمـر بن سـعد" قـائد جيش يزيد .
كان جيش يزيد قـد قـطع الطريق على قافلة الإمـام الحسين ، ومنـع عنهـم المـاء .
جهـزّ عمر بن سـعد فرقـة مـؤلفة من خمسمائة فـارس بقيـادة رجـل يدعـى " الأزرق " .
قطـع الفرسـان الطـريق على بنـي أسـد ، طلب الأزرق مـن بنـي أسـد العودة فرفضوا ، فنشبت معـركة سـقط فيها رجـال من بني أسـد قتلى وجـرحي .
أدرك المتطوعون أنّهم أمـام جيش كبير ومن ورائه إمدادات كبيرة ففضّلوا الانسـحاب .
وعندما وصلوا إلى مضارب قبيلتهم حذروا قومـهم من البقـاء في هذه المنطقـة .
بـادر الرجال إلى جمع الخيام بسرعة والانتقـال إلى مكـان آخـر في الصحـراء.
عـاد حبيب وحيـداً ، كـان يشـعر بالحـزن لما حصـل ، فأخبـر الإمـام الحسين (ع) .
فقـال الإمـام (ع) : ومـا تشـاؤون إلاّ أن يشـاء الله ولا حـول ولا قـوة إلاّ بالله .
فـي كـربـلاء ...
عندمـا مـات معاوية بن أبي سفيان جـاء إلى الحكم بعـده ابنـه يـزيد فأصبحت الخلافة ملكاً يتوارثه الأبنـاء عـن الأبـاء .
كـان يـزيد رجلاً فاسـقاً ، أي منحرفاً عن الإسـلام ، فهو يشـرب الخمـر ويرتكب المحرّمـات، كما أنّـه يقضي وقتـه في اللعب واللهـو مه كـلابه وقروده ، بهـذا امتنـع الإمام الحسين عن مبايعتـه .
وكـان الناس في كثير من المدن الإسلامية يعانـون ظلـم بنـي أُميـة ، وكان أملهم أن يمـوت معاوية فيتخلصوا مـن الظـلم .
عنـدما عرفوا أن يـزيد أصبـح خليفة تألمـوا كثيراً وشـعروا بالغضب ؛ إذ كيف يحكـم يـزيد بـلاد الإسـلام ، وهو لا يحتـرم الإسـلام ولا يحـبّ المسلمين ؟!
وكـان الناس في الكوفـة يحبّـون الإمـام علي بن أبي طالب (ع) لمـا رأوه مـن العدل والرحـمة في عهده ، لهذا بعثـوا آلف الرسائل إلى ابنه الإمام الحسين (ع) ، فهو ابن فاطمة الزهـراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) كما أن الناس يعرفون سيرتـه وإنسانيته وحبّـه وعطـفه على إخوانه المسلمين .
كـان الإمام الحسين في مكّة يستقبل الوفـود ومعهم رسائل كثيرة تحمـل آلاف التواقيع والأسماء وكلّهم يقولون : أقـدِم علينا ليس لنا إمـام (قائد) غيـرك .
عنـدما يشـعر الناس بالظلم والقهـر وعندما يجـوعون ويتعذبون فانّهـم يبحثـون عن إنسـان يخلّصهم من الظلم ويحرّرهم من الاسـتعباد ، لهـذا توجّهت أنظـارهم نحـو الإمـام الحسين ، فهو الوحيد القادر على تخليصهم من العذاب والقهـر .
اسـتجاب الإمـام الحسين (ع) لطلبهم ، وعقد العزم على الثورة ضـدّ يـزيد بن معاوية . فغادر مكّـة متوجهاً نحـو الكوفـة .
أخـذ معه عيـاله من أطفال ونسـاء وبنـات وكـان معه رجـال من أهل بيتـه وأنصـاره .
الحصــار ...
كـان عبيد الله بن زيـاد قـد أرسل فرقـة عسكرية مؤلفـة من ألف فـارس لقطـع الطريق على قافلـة الإمـام الحسين .
كـان الجوّ حـارّاً جدّاً ، وقد نفـد ما عندهم من المـاء ، وعندما رآهم الإمـام الحسين بهذه الحالة أمـر أصحابه أن يسقوهم المـاء ؛ فسقوهم وسقوا الخيل أيضاً .
عندمـا أصبحوا قريبـاً من نهـر الفـرات عسكر الإمام الحسين ، ونصبت الخيـام وصلت الفـرق العسكرية وأصبح جيش يـزيد أكثر مـن أربعة آلاف مقاتل ؛ فاحتلوا شـاطئ الفـرات ، وفرضوا حصاراً على معسـكر الإمـام الحسين وأصحابه ومنعوهم عـن المـاء .
أرسـل عمـر بن سـعد رجـلاً يدعـى قـرّة بن قيـس وقال له :
-سـل (اسأل) الحسين لماذا جـاء إلى الكـوفة ؟
عندما جـاء قـرّة بن قيـس ، سـأل الإمـام الحسين حبيب بن مظاهـر :
-هـل تعـرفه ؟
فقـال حـبيب :
-نعـم .. هـذا قـرّة بن قيـس لقد كنت أعـرفه بحسن الرأي وما كنت أظنّـه يقاتلك.
جـاء قـرّة وسـلَّم على الإمـام وأبلغه رسـالة عمر بن سـعد ، فقـال الإمام :
-لقـد أرسل إلىّ أهـل الكوفـة بأن أقدم إليهم فإذا كرهونـي انصرفت عنهـم .
سـكت قـرّة بن قيـس فقـال حبيب :
-ويحـك يا قـرّة كيف ترجـع إلى القـوم الظالمين ، انصـر الحسـين قـال قـرّة :
-سـأعود بالجـواب إلى عمـر ثـم أُفكّـر .
تاســوعاء...
عندمـا حـلّ يـوم التاسـع من شـهر محـرّم الحرام سنة 61هـ أراد عمـر بن سـعد الهجوم ليلاً ، فزحف بقـوّاته نحـو معسـكر الحسين .
سـمعت زينب بنت علي بن أبي طالب أصوات العـدوّ فقالت لأخيهـا الحسين :
-لقـد اقتـرب العــدوّ .
أمـر الإمـام الحسين أخـاه العباس أن يسـألهم .
ركب العباس فرسـه ومعـه عشـرون فارسـاً وكـان معـه حبيب بن مظـاهر . فسألهم العباس عمّـا يريدون ، فقالوا :
-أمّـا أن تنزلوا على إرادة عبيـدالله بن زيـاد دون قيـد أو شـرط ، أو الحـرب .
عـاد العباس إلى الإمـام الحسين ليخبـره .
ظـلّ حبيب في مكـانه وراح ينصحهـم قائـلاً :
-أمـا والله لبئس القوم أنتـم عند الله غـداً ، قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّـة نبيّـه وأهل بيتـه وعبّاد أهـل هـذا المصر ( الكوفـة ) ، المتهجدين بالأسحار ( الذين يصلّن لله بعد منتصف الليل) الذاكرين الله كثيراً .
قـال أحدهم واسـمه عـزرة :
-انّك لتزكّـي نفسـك يا حبيب .
فـردّ زهيـر:
-أن الله قد زكّاها وهداها فاتّق الله يا عـزرة فإنـي لك من الناصحين قال عـزرة :
-يا زهيـر ما كنت عندنا مـن شيـعة أهل البيـت .
قـال زهيـر :
-كنت عـائداً من الحـج فجمعني وإيّـاه الطريق فذكـرت بـه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ورأيت أن أنصـره وأجعـل نفسـي دون نفسـه .
مـن أجـل الصــلاة ...
عنـدما ذهب العباس لخبر أخـاه ، قـال الإمـام :
-ارجع إليهم واستمهلهم ( اطلب منهم مهلة ) هذه العشية (الليلة ) إلى غـد لعلّنـا نصـلّي لربنّـا الليلة وندعوه ونستغفره فهـو يعلم انـي أحبّ الصلاة له وتلاوة كتـابه وكثرة الدعاء والاستغفار .
عـاد العباس إليهم واسـتمهلهم إلى غـد .
فكـر ابن سـعد قليلاً وظـنّ أن الإمـام الحسين ربّمـا سيغيّر رأيـه ويتنازل ، لهذا وافق على تلك المهلة وقـال :
-أنّـا أجلناكم إلى غـد فإن استسلمتم سـرحنا بكـم (أخذناكم ) إلى الأمير بن زيـاد وان أبيتم (رفضتم ) فلسـنا تاركيكم .
الاســتعداد للمعركــة...
انصـرف الإمـام وأصحابه إلى الصـلاة والدعـاء وقـراءة القرآن ، لأنّهـا ستكون آخـر ليلة لهم في هـذه الدُّنيـا.
كانت الخيـام متباعـدة بعضهـا عن بعض ، فأمـر الإمـام أن يقاربوا بينهـا حتى تتشابك الأوتاد، ويصعب على العـدوّ اختراقها إذا أراد الهجـوم . كما أمـرهم بحفر خندق خلف الخيام ليكون القتـال في جبهة واحـدة .
وجـمع الإمـام أصحـابه وقـال لهـم :
-اثنـي على الله أحسن الثنـاء وأحمـده على السـرّاء والضـرّاء . اللّهم إنّـي أحمـدك على أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنـا أسـماعاً ,أبصـاراً وأفئـدة ولـم تجعلنا مـن المشركين .
أمّـا بعـد فاني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيـراً من أصحابي ولا أهـل بيت أبـرّ وأوصـل من أهل بيــتي فجزاكـم الله عنـي جميعاً .
وأنـي أظـنّ يومنـا من هؤلاء الأعـداء غـداً وانّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حـل ليس عليكم ذِمـام ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيـد رجل من أهـل بيتـي .
رفض الجميـع ذلك فمـا قيمة الحيـاة يعيشها الإنسـان بـذلّ . وقالـوا :
-نفـديك بأنفسـنا وأموالنـا وأهلينـا ونقاتـل معـك .
الأســــــــــير ...
وفـي الأثنـاء وصـل شـاب ، كـان يبحث عن أبيـه محمـد بن بشير الحضـرمي .
قـال الشـاب لأبيـه :
-لقـد وقـع أخـي فـي الأسـر في ثغـر الري ( قرب طهران ) .
فقـال الأب :
-مـا أحبّ أن يؤسـر وأنـا أبقـى بعـده حيّـاً .
قـال الإمـام الحسـين :
-أنت فـي حـلّ من بيعتـي فاعمـل في فكـاك ولدك مـن الأسـر .
رفض محمـد بن بشـير قائـلاً :
-لا والله لا أفعـل ذلك ، أكلتنـي السـباع حيّـاً إن فارقتـك .
فأعطـاه الإمـام خمسـة أثـواب قيمتها ألف دينـار وقـال :
-أعطهـا ابنك ليعمـل في فكـاك أخيـه .
وهكذا كـان أصحاب الإمـام الحسين (ع) يفضّلون المـوت مع الإمـام على حيـاة الذّل مع الظالمين .
خيمـة زينـب ...
خـرج الإمـام الحسين في منتصف الليـل لتفقّـد التـلال القريبـة ، فـرآه أحـد أصحابه واسـمه نافـع بن هـلال الجملي ، فتبعـه فسـأله الإمـام عـن سـبب خـروجه فقـال :
-أخـاف عليك الغـدر يا بـن رسـول الله .
فقـال الإمـام الحسـين :
-خرجت أتفقّـد التلاع والروابـي مخـافة أن تكون مكمنـاً لهجـوم الخيل يـوم تحملون ويحملون .
عـاد الإمـام الحسين ممسكاَ بيـد صاحبه الوفـيّ هـلال ؛ وفي الطريق قـال له الإمـام :
-ألا تسـلك بين هـذين الجبلين فـي جـوف الليـل وتنجـو بنفسـك .
بكـى هـلال وقـال :
-وكيف أتركـك وحيـداً ... لا والله حتـى أُقتـل معـك .
وعندما وصـل الإمـام للخيـام ، دخـل خيمـة أختـه زينـب ، ووقـف هـلال ينتظـر .
سـمع هـلال زينـب تقـول لأخيهـا :
-هـل استعلمت ( عرفت ) مـن أصحابك نيّـاتهم ، فأنّـي أخشـى أن يسلموك عنـد الوثبـة (بـدء المعركة ) .
فقـال الإمـام :
-والله لقـد بلوتهـم (امتحنتهم) فمـا وجـدت فيهم إلاّ الأشـوس (الشجاع) يستأنسون بالمنيـة (المـوت)دوني (من أجلي) استئناس الطفل إلى محالب (ثـدي ) أمّـه .
عندما سمع نافع كلام زينب ، بكـى ثم مضى إلى خيمـة حبيب بن مظاهر وحكى له مـا سمعه وقـال :
-من الأفضل أن نذهب إليها ونطمئنها ، ولعلّ النساء قـد اسـتيقظن وشـاركنها في قلقهـا وحزنهـا.
نهـض حبيب ، وغـادر الخيمـة ؛ ونـادى :
-يـا أصحاب الحميّـة
خـرج الرجال من خيامهم كالأسـود ، وتحلّقوا حـول حبيب ، فقـال لهم :
-أمضـوا بنـا إلى خيمـة زينب نطيّب خاطرهـا وخاطر النسـاء .
مضى الرجـال وهـم يحملون أسلحتهم إلـى خيمـة زينب ، وعنـدما وصلوا هناك اصطفـوا خلف حبيب وصـاحوا :
-يـا معشـر حرائر رسـول الله (صلى الله عليه وسلم ) هذه صوارم ( سيوف) فتيانكم آلـوا (أقسموا) ألاّ يغمدوها إلاّ في رقـاب من يريد السـوء فيكم ، وهذه أسـنّة (رمـاح) غلمانكم أقسموا ألاّ يركـزوها إلاّ فـي صـدور مـن يفـرّق ناديكـم .
خـرجت زينب وخلفهـا النسـاء وهـن يبكيـن وقلـن :
-أيُّـها الطيّبـون حاموا عن بنـات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين .
بكـى حبيب وبكـى معـه أصحابه وأقسـموا علـى الدفـاع والمقاومـة حتـى المـوت .