المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام الكاظم عليه السلام ودوره الرسالي


انشودة المطر
30-07-2008, 04:43 AM
إنّ دراسة الفترة التاريخية الّتي عاشها الامام الكاظم تمثِّل أهمّ مساحة في تاريخ بني العباس ، كما وأنّها مِن الفترات الصعبة في حياة أهل البيت ، فقد طاردَ العباسيون ذُرِّيةَ الامام عليّ بن أبي طالب وأتباعَهُم ، وتَتَبّعوهم في كلِّ ناحية ومصر ، وجنّدوا الاموالَ والاعوانَ مِن أجلِ استئصال العلويين والقضاء على طلائعهم وقياداتهم خوفاً مِن ثوراتهم وسموِّ مكانتهم في نفوس الخاصّة والعامّة من أبناء الاُمّة .
لقد زخرتْ هذه الفترةُ التاريخيةُ الّتي عاشها الامامُ بالاحداث والوقائع التاريخية الخطيرة ، ولقد كان أبرزُ ما فيها الثوراتِ والسجونَ والملاحقاتِ والقتلَ الفرديّ والجماعيّ لآلِ عليّ بن أبي طالب وأتباعهم وبني عمومتهم من الطالبيين .
فتاريخ هذه الفترة من حـياة المجتمع الاسلامي كانت فترة مظلمة من الناحية السياسية ، فترة انتشر فيها الارهاب والقتل على الظّنّ والتّهمة ، واستئثار بني العباس ومَن والاهم بالحكم والادارة والقضاء ، والاستهانة بكرامات الناس ، حتّى أصبحَ السجنُ والضّربُ والقتلُ لاتفهِ الاسباب شيئاً عاديّاً ، فكان نظام الحكم في دولة العباسيين نظاماً أمبراطورياً وراثيّاً دكتاتوريّاً ، تخضع فيه الامصار والولايات إلى حكم الاقطاع السياسي ، فالولاةُ يحكمون ويعبثون ويتصرّفون كيف شاؤوا ما زالوا محافظين على طاعة الخليفة المركزية وأمر الخليفة العباسي .
فالمطلوبُ هو الولاءُ للخليفة العباسي ، لا بسطُ العدلِ وإقامةُ الاسلام وتطبيقُ أحكامه وإصلاحُ أوضاع الاُمّة، فلم يكنْ يهمُّ الحكّامَ شيءٌ سوى كراسيهم وملذّاتهم والتخلّص من خصومهم .
وفي هذه الفترة انتشرَ المجونُ واللّهْوُ والطّرَبُ ، وغصّتْ قصورُ الخلفاء والامراء والولاة والوزراء والحواشي بالجواري والحسان ، وبأدوات اللّهْو وبالمُغَنِّين والمُطْرِبين، وبالشعراء المُتَمَلِّقين المُتَعَبِّدين للدرهم والدينار .
واشتغل الحكّام باقتناء الجواري (*) والمجوهرات والعطور والالبسة ووسائل اللّهْو واللّذّة والترف وبناء القصور ، فأنفقوا الملايين وضيّعوا أموال الاُمّة الّتي استنزفوها من شرايين الكادحين ، أو اغتصبوها وصادروها مِن المظلومين والمُطارَدينَ والمحكومِ عليهم بالسجن والقتل .
وقد نقل المؤرِّخون أنّ الرشيد خلّف بعد موته مائة مليون دينار ، وأكثر من ذلك قيمةُ الجواهر والموجودات ، واقتنى ألفَي جارية ، وكان ثمن إحداهُنّ مليوناً ونصفَ المليون درهم .
وكما أسرف الرشيد فإنّ زوجته زبيدة أيضاً كانت تَعبثُ بأموال الاُمّة وقوت فقرائها ، فقد كانت تلبسُ الخِفافَ المرصّعةَ بالجواهر ، وأنفقت أكثرَ مِن مليون دينار ذهب الصنع بساط مِنَ الديبـاج يحوي مختلف أنواع الطّيور المصـنوعة من خيوط الذهب وعيونها من الياقوت الاحمر ... إلخ .
ونقل المسعودي في مروج الذهب ، ج 3 ، ص 318 : أنّ أبا جعفر المنصور خلّف ستمائة ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار .
هذا فيما يخصُّ الوضعَ السياسيَّ والاجتماعيَّ ، أمّا بالنسبة للجانب العلمي فقد كانت الحياة العلمية والادبية والثقافية زاهرة في المجتمع الاسلامي ، فقد بلغت العلومُ والمعارفُ والادابُ والفنونُ والاكتشافاتُ مرحلةً راقيةً متطوِّرة ، كما اتّسعت الدراسات الدينية ونشطت الفرق والمذاهب الفلسفية والكلامية والفقهية . وكان لهذه التيّارات آثارُها السّلبية إلى جانب الاثر الايجابي ، فمن آثارها السّلبية الخلاف والفرقة بين المسلمين وانقسامهم إلى مذاهب وفرق فقهيّة وكلاميّة مزّقت المجتمع الاسلامي وشتّتت شمل المسلمين ، كما ساعدت على نموِّ الشّكِّ والالحادِ والزّندقةِ والدّسِّ والتشويهِ في عقيدة المسلمين وتشريعهم . وأمّا جانبها الايجابي فقد كان في تنمية الفكر والتفكير الاسلامي ، وإخصاب العقلية الاسلامية ودفعها إلى الابداع والابتكار والمواجهة العلمية المنظّمة ، وتعميق الدراسات الاسلامية وتوسيع آفاقها ومداراتها بشتّى فنونها .
ولقد كان للامام موسى بن جعفر كما كان لابيه الصادق (ع) دورٌ بالغٌ في الوقوف بوجه الانحراف السياسي والعقائدي والاخلاقي والاجتماعي الّذي أوجده أو ساعد على وجوده الحكم العباسي . ورغم أنّ ظروف الامام الكاظم السياسية كانت صعبة للغاية ، والحصار والتضييق عليه كان أشد من الحصار والتضييق المضروب حول أبيه الصادق وعلى الرّغم من مراقبته وحبسه في السجون والمعتقلات عدّة سنوات إلاّ أنّه لم يترك دورَهُ ومسـؤوليّتَهُ ، فقد ربّى جيلاً مِنَ العلماء والرّواة والمحـدِّثين ، وساهمَ مساهمةً فعّالة في إيقاف الانحراف الّذي حملتْهُ بعض تيّارات الفلسفة والعقائد وعلم الكلام المتأثِّرة بالغزو الفكري والشَّطَطِ العقائدي ، وناقش الاتّجاهات الفقهية والتشريعية في عصره ، وبيّنَ مواقع الضعف والقصور والخطأ فيها ، وكان يواصل مهامَهُ العلمية وهو في سجنه ، فقد روى المؤرِّخون أنّ بعض العلماء وبعض أصحابه وتلامذته كان يتّصل به سرّاً في السجن ، ويسأله عن المسائل والقضايا والاحكام فكان يراسلهم ويجيبهم .
ونظراللظرف السياسي الصعب الّذي أحاط بالامام ، ومحاربة الحكّام العباسيين له خلال مدّة إمامته بعد أبيه الصادق الّتي دامت خمساً وثلاثين سنة ومنذ أن كان عمره الشريف عشرين سنة حتّى شهادته ، لذلك فإنّ الباحثَ والمحقِّقَ يشاهدُ أنّ نسبة ما ورد من حديث ورواية وعطاء علمي للامام الكاظم يعتبرُ قليلاً إذا ما قيس بأبيه الصادق وجدّه محمّد الباقر (ع) .
ولئن برز دور الامامين الباقر والصادق (ع) في جانب العلوم والمعارف وإظهار علوم أهل البيت (ع) وتحديد معالم مذهبهم ومنهجهم في الفقه والعقيدة والتفسير والسياسة والاخلاق ... الخ ، الّذي رَوَوْهُ عن أبيهم السجّاد عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ بن أبي طالب عن رسول الله (ص) ، فتحدّدت معالمُهُ واُصولُهُ وشخصيّتُهُ العلمية والعقائدية والتعبّدية ، فقد برز دور الامام الكاظم (ع) واضحاً في الكفاح والجهاد السياسي، ومواجهته للحكّام في السجون والمعتقلات والصراع السياسي غير المسلّح.
وقد جَسّدَ هذا الجانبُ مِن منهج أهل البيت ، ودورهم الرسالي في خدمة العقيدة والشريعة الاسلامية ، إذ كان أهل البيت وأتباعُهُم يقودون على طول المسيرة خطّ المعارضة والمواجهة للظّلم والتحلّل والانحرافِ والطّغيانِ ، مِن أجل النهوض بأعباء الدعوة الاسلامية، والحفاظ على نقاء الاسلام، وضمان تطبيق قوانينه ونُظُمِهِ، والالتزام بقيمه وأخلاقِهِ ، وبناءِ المجتمع والدولة ، وسلوكِ الفرد والجماعة على أساسه .
لذلك عانَوُا العَنَتَ والتشريدَ والتقتيلَ ، وذلكَ شأنُ كلّ دُعاةِ الاسلام ، وروّادِ الهُدى والاصلاح على طول خطِّ الدعوة الالهيّـة وامتداد جذورها ، مِن لدن آدم وحتّى يرثَ الله الارض ومَن عليها .
فالصِّراع بين الحقّ والباطل والهُدى والضّلال صراعٌ دائمٌ وحقيقةٌ قائمةٌ على امتداد مسيرة التاريخ البشري . وحركة التاريخ ومسيرة الانسان يحرِّكها الصِّراعُ ويدفَعُها باتّجاه الحقِّ أو الباطل تبعا لطبيعة القوى المتحكِّمة في الصِّراع والمسيطرة على صنع الاحداث والمواقف ، وتلك حكمةُ اللهِ ومشيئَتُهُ ليميز اللهُ الخبيثَ مِنَ الطّيِّب وليمحِّصَ الناسَ ، ولتتكشّفَ الحقائقُ وتتجسّدَ الدّوافعُ والنّوزاعُ البشرية الكامنة في ذات الانسان سلوكاً وعملاً وصيغةً انسانية منظورة .
والّذي يدرسُ التاريخَ ويحلِّلُ العواملَ والدوافعَ المتحكِّمة فيه يشاهدُ دورَ الرِّسالات الالهيّة ، وأثر الانبياء ودُعاة الايمان وأئمّة الهُدى واضحاً ومُشخّصاً موقِعَهُ وتأثيرَهُ في تاريخِ الصِّراعِ وبناءِ الحضارةِ وغرسِ القيمِ والمُثُلِ الخيِّرة .
ونحنُ إذا شئنا أن ندرُسَ المساحةَ التاريخية الّتي أظلّها الاسلامُ وأقام هيكل التاريخ والحضارة عليها ، نجد أنّ هذا التاريخ حافلٌ بألوان الصِّراع ومظاهر الكفاح والجهاد من أجل تغليب دعوة الايمان ومبادئ الحق وقيم الهُدى ، وبناء حياة الانسان على أساس الاسلام ، وبوحي من قيمه ومبادئه .
ونشاهد أنّ دور القيادة والرِّيادة في هذا الصِّراع هو لاهل البيت (ع) ولاتباعهم والمتفاعلين مع دعوتهم والمتأثِّرين بتيّارهم التاريخي الناصع .
وحياة الامام موسى بن جعفر (ع) تُمثِّل مرحلة سياسية وتاريخية بارزة في تاريخ الاسلام هذا ، وتكتسب أهميّتها من أهميّة هذه الشخصية ودورها البارز في قيادة الاُمّة، ومن أهميّة المرحلة التاريخية ذاتها، وطبيعة الحكّام وحقيقة سياستهم الارهابية الغاشمة الّتي تنكّرت لقيم الاسلام ومبادئه ، فقد شملت هذه الفترةُ الزمنيةُ العصيبةُ في تاريخ الاسلام وفي تاريخ أهل البيت فترةً مِن حياةِ المنصور وحياة المهدي والهادي وحياة الرشيد .
ومن الطبيعي أن يكتبَ كتّابُ التاريخ الرسـميّون للحكّامِ ويَخْشَـوْنَ سـطوتَهُم ويتملّقونهم ويُزيِّفون الحقائقَ ، ويَسبغونَ عليهم صفاتِ العظمة والقدسيّة والمثالية محاولين طمس الحقائق وتشويهها .
وقد دأب مؤرِّخو السلطات والمتزلّفون للحكّام الظّلمة أن يمحوا صوتَ الحقِّ من ضمير التاريخ ، وأن يتجنّبوا ذكرَ الرّفضِ والمعارضةِ للتسلّطِ والطّغيان ، بل وربّما أظهروهم بمظهر المُخَرِّبين والعُصاة والخارجين على إرادة القانون ، فكم قرأنا عن تاريخ بني العباس وعن تاريخ الرشيد مثلاً ، بأنّه العصرُ الذهبي ، وصحيحٌ أنّ العلوم والمعارف تقدّمت في هذه الفترة على يَدِ العلماء والادباء والمفكِّرين والفقهاء والفلاسفة والباحثين ، إلاّ أنّ سلطان بني العباس كان يمثِّل الجور والتسلّط والاَثَرَةَ بأفظعِ ألوانها .
وكان أهل البيت (ع) ودُعاة الاصلاح من الفقهاء والعلماء هم الضحيّة ، في حين كان الجواري والمغنّون وأمثالهم ، والمتزلِّفون وشعراءُ القصر والولاةُ والقضاةُ المنفِّذونَ وأمثالُهُم هم الطّبقةَ المرفّهةَ الّتي عبثتْ بخيراتِ الاُمّة وبمقدّراتها وحرّيتها .
إنّ قيمة التاريخ ورُقِيَّ الحضارة يُقاسُ بقيمة الجانب الانساني ، وإقامةِ العدل ، واستقامةِ السّلوك البشري للسلطة والاُمّة ، وليس بالجانب المادِّي الّذي لا يُمثِّل في ظلِّ الاوضاع الشاذّة إلاّ الاداةَ لاستمتاع المتسلِّطين وفرض سلطانهم .

كعبة الاحزان
30-07-2008, 12:39 PM
اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف


°O انشودة المطر O°

http://www2.0zz0.com/2008/02/23/18/253664340.gif

نور الله حياتك بنور محمد وآلِ محمد

وكثر الله من حسناتك بالعطاء



نسألكم الدعاء

احلام العشاق
30-07-2008, 04:49 PM
مشكوورة اختي وتحيااتي لكي وتسلمي