alholilah City
05-12-2007, 02:45 PM
http://www.adab.com/photos/84795069.jpg
المطرقة الأولى كانت في التصفيات المبدئية المؤهلة للدخول في المسابقة وذلك بعدما ألقيت قصيدتي (الخلاص) وقال لي أحد أعضاء لجنة التحكيم وهو الناقد المصري المعروف الدكتور صلاح فضل: (أنا لا أجيزك).. فيما أجازني الأعضاء الأربعة الآخرون ودخلت في المسابقة. لم أعرف سبب عدم إجازته لي للدخول في المسابقة، وربما كنت أجامل نفسي كثيراً فاتهمته بارتكاب خطأ سوف يبقى نقطة سوداء في تاريخه، ونسيت في غمرة هذه المجاملة لذاتي أن الرجل له وجهة نظر خاصة يجب احترامها مهما كانت قاسية على شخصي.
لماذا أقصي بعض الشعراء من الموسوعات الشعرية؟!
مشهدنا الثقافي يعاني من الإقصاء والأحادية
جاسم الصحيح شاعر عذب يتقن العزف على الأوتار المحببة لمتابعيه.. يرسم قصائده بعبارات راقية وصور جميلة وموسيقى آسرة.. شارك مؤخراً في أمير الشعراء وخرج ثالثاً في الوقت الذي توقع متابعوه نتيجة أفضل.
بعد هذه المشاركة المشرقة له كان لنا معه هذا الحوار:
* شاركت مؤخراً في مسابقة أمير الشعراء، فبم خرجت من تلك التجربة سلباً وإيجاباً؟
- بدأت مسابقة أمير الشعراء وانتهت بمطرقتين هوتا على رأسي بعنف حتى أنني لم أفق من وقعهما إلا بعد فترة زمنية من ختام المسابقة ومعرفة أسرارها الخفية.
المطرقة الأولى كانت في التصفيات المبدئية المؤهلة للدخول في المسابقة وذلك بعدما ألقيت قصيدتي (الخلاص) وقال لي أحد أعضاء لجنة التحكيم وهو الناقد المصري المعروف الدكتور صلاح فضل: (أنا لا أجيزك).. فيما أجازني الأعضاء الأربعة الآخرون ودخلت في المسابقة. لم أعرف سبب عدم إجازته لي للدخول في المسابقة، وربما كنت أجامل نفسي كثيراً فاتهمته بارتكاب خطأ سوف يبقى نقطة سوداء في تاريخه، ونسيت في غمرة هذه المجاملة لذاتي أن الرجل له وجهة نظر خاصة يجب احترامها مهما كانت قاسية على شخصي.
أما المطرقة الثانية فقد هوت على رأسي في الحلقة الأخيرة من المسابقة وذلك عندما تم إعلاني ثالثاً بينما كنت أتوقع لنفسي -كما كان يتوقع جميع المتابعين للمسابقة- أن أفوز بأحد المركزين الأول أو الثاني.
وما بين تلك المطرقتين جرت أحداث وقصص وحكايات لا يمكن أن أحصرها في مقابلة صحفية أبداً، إلا أن خلاصة ذلك كله هو أنني راض عن المحصلة النهائية لعلمي أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان وذلك بسبب شروط المسابقة وخصوصاً التصويت. بصراحة تامة، لم أكن أتخيل قبل الدخول في المسابقة أن شرط التصويت سيكون أخذه بجدية.. وربما لم أتخيل ذلك حتى بعد الجولة الأولى من المسابقة. ولكن حينما وصلنا إلى الجولة الثانية وبدأت الأسماء الكبيرة تغادر المسابقة بسبب ضعف التصويت لها، أدركت أن شرط التصويت يمثل حجر أساس في زوايا المسابقة وأن القادم أخطر وأخطر.
* يرى محبوك أنك لم توفق كثيراً في اختيار قصائدك وأنك تملك الأفضل، فما تعليقك؟
- كان اختيار القصائد المناسبة للمسابقة مع كل جولة أتقدم فيها هو الأمر الأكثر تعقيداً في المسابقة. ولم يكن ذلك خاصاً بي وإنما المتسابقين حيث إن القصيدة المختارة يجب أن تناسب ذوق لجنة التحكيم وذوق الجمهور الحاضر في آن واحد. وإذا ما آمنا أن لجنة التحكيم تمثل ذائقة جمالية نخبوية خصوصاً وأن معظم أعضائها هم أساتذة أدب ونقد في الجامعات، فإن الجمهور الذي حضر في مسرح شاطئ الراحة (خصوصاً في حلقات البرنامج الأولى) في مجمله يميل للشعر المباشر بدلاً من القصائد ذات الشعرية الرمزية.. بالنسبة لي، ربما يكون لدي قصائد أهم فنياً من القصائد التي شاركت بها في المسابقة، ولكن لا أعتقد أنني أملك قصائد تناسب المسابقة أفضل مما قدمت. إضافة إلى ذلك ربما تعجبني بعض قصائدي أكثر من البعض الآخر، وربما يختلف معي الناس المطلعون على قصائدي حسب ذائقتهم فاختلاف الأذواق أمر طبيعي خصوصاً في الشؤون الإبداعية.
* هل اعتماد التصويت بنسبة كبيرة مناسب لمثل هذه المسابقة؟
- في وجهة نظري يجب حذف التصويت تماماً من شروط المسابقة ليكون الإبداع هو الفيصل الأول فيها. ولكن كما يعلم الجميع أن مسألة التصويت مسألة خارجة عن نطاق تصرف المتسابقين فهي معتمدة من قبل (هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي) كشرط من شروط المسابقة قبل بدايتها، وليس بوسع المتسابق إلا أن يوافق على هذا الشرط أو أن ينثني عن المشاركة في المسابقة من الأصل. ولكن لو استشارت (الهيئة) كل المتسابقين في شأن التصويت لأجابوا برأي واحد أن الاستغناء عنه سوف يمنح المسابقة دعماً إبداعياً أكبر.
* ارتجلت أبياتاً عن الصحراء في الحلقة الأخيرة من مسابقة أمير الشعراء فما هو رأيك إجمالاً في القصائد المرتجلة؟
- الارتجال ليس دليلاً على الشاعرية، وعدم الارتجال ليس دليلاً على عدم الشاعرية. القصائد المرتجلة عادة لا تتمخض عن شعر حقيقي وإنما عن حالة من النظم، وفي أحسن الأحوال قد تنتج إيقاعاً جميلاً وسبكاً محكماً ولكن من الصعب أن تنجب شعراً عميقاً إلا ما ندر.
* بعيداً عن مسابقة أمير الشعراء، دعنا نعود إلى البدايات ونسأل: هل جاءك الشعر أم جئته؟
- الشعر كأي موهبة أخرى في الحياة عبارة عن بذرة مطمورة في أعماق النفس لا تبدأ بالتململ والحركة في عتمة قاعها إلا إذا جاء من يحركها. وفي هذه الحالة، القراءات الأولى هي التي تدفع بتلك البذرة للتململ داخل النفس حد الخروج من تربتها على شكل برعم وتتفتح عن زهرة الكتابة في نهاية المطاف. أعتقد أن هذا ما حصل لي مع البداية، وأن هذا ما يحصل مع كل الشعراء.
* علاقة الشاعر والجمهور علاقة حميمة ولكن ينتابها الفتور، فمتى تعرض جاسم الصحيح لمثل هذا الفتور؟
- لا أذكر أنني تعرضت لمثل هذا الفتور فهناك دائما معجبون يحتضنون قصائدي حتى تفقس في أرواحهم حبا وشغفا. أنا أكتب للناس ولا أعتمد الغموض في كتاباتي لأن جمالية القصيدة لا تأتي على حساب المأساة الإنسانية. لذلك، كل قصائدي مفهومة عند أبسط الناس على الصعيد المعرفي وهذا ما يجعل الناس في مجملها راضية عن كتاباتي.. ولكنه الأمر ذاته أيضا، الذي يجعل بعض النقاد غير راضين عن ذات الكتابات.
* أيهما أهم لديك: أدبية النص أم وصوله للمتلقي؟
- أنا أعتقد أن سر وصول النص للمتلقي يكمن في أدبية هذا النص.. بمعنى أن أدبية النص تساعد على وصوله للمتلقي ولا تعارض بينهما أبدا. أما أن نكتب بأصابع الغموض وحبر الإبهام لدرجة أن القصيدة تأتي مغلقة الأبواب والنوافذ، ثم نلوم المتلقين على عدم فهمها لأن القصيدة عالية في مستواها الفني.. هذا العمل ليس عملا إبداعيا ولا ينم عن أدبية نص فائقة تحول دون النص والمتلقي.
* أيهما أقرب إلى جاسم الصحيح بوصفه قارئا لا شاعرا: شعر التفعيلة أم الشعر العمودي؟
- صدقني لا يهمني الشكل كثيرا فأنا أنحاز للجمال حيثما أجده سواء كان في الشعر الحر أو حتى في الشعر المنثور. بالنسبة لي، لا يوجد شكل ميت في الشعر فكل أشكاله حية ويمكن أن تبقى خالدة ما دام هناك من يسعى على سقايتها ورعايتها.
* هل الصنعة في الشعر ضرورية لكماله؟
- لا بد للشاعر أن يراجع دفقاته الوجدانية على أضواء شموع الصنعة لأن التدفق الأول للقصيدة يأتي من حالة الوجد التي تمثل مرحلة اللاوعي فيها، ولكن النصف الآخر من القصيدة هو حالة الوعي الذي يقدم حالة فلسفية مثقفة تخفف من طغيان الغياب على المعاني.
* هل ترى أن المشهد الشعري السعودي يبشر بجيل قادم من الشعراء أم ينذر بانتهاء الكبار؟
- الشعر في حد ذاته طائر قادم بالبشارة في كل الأجيال فلا يمكن لهذا الطائر أن يغيب أبدا، ولا يمكن له إلا أن يأتي حاملا بريد التفاؤل من جيل إلى جيل. أنا أعتقد أن المشهد يبشر بجيل قادم ولا ينذر بانهيار الجيل الماضي لأن الجيل الماضي قال كلمته وفصل عبارته على منوال أحلامه وآلامه. المشكلة التي أخشى منها هي مشكلة القطيعة بسبب التعالي والاعتداد المفرط بالنفس. والأخطر من القطيعة مشكلة الإقصاء بسبب التعصب للرأي الأحادي كما هو حاصل في مشهدنا الثقافي حيث يتم إقصاء بعض الشعراء من بعض الموسوعات الشعرية بسبب انتمائهم لشكل من أشكال الشعر دون الانتماء للشكل الآخر.
* من هو الشاعر الذي دائما ما تجده في شعرك وتجدك في شعره؟
- هذا سؤال جميل جدا.. ولكن لا يمكن لي أن أحدد شاعرا بذاته فأنا أدني خليطا من تجارب شعراء كثيرين امتزجت بهم روحيا وأثروا تجربتي على الصعيد المعرفي والإنساني. أعتقد أن كل شاعر يجد نفسه في القصيدة الجميلة لدرجة أنه يتخيل أنه كاتبها ويتيه في صحراء خياله حتى يصاب بالحمى والمرض من فرط الإعجاب. بمعنى أن الإعجاب قد يقاس بدرجة الحرارة في بعض الأحيان!
* ديوانك (رقصة عرفانية) الذي نفدت نسخته من الأسواق بسرعة.. هل يمثل استثناء من بين دواوينك الأخرى.. وإن كان كذلك، فما هو هذا الاستثناء؟
- ديوان (رقصة عرفانية) يمثل مرحلة مفصلية في تجربتي الشعرية على بساطتها (فلا تظن أنني أتحدث عن تاريخ شعري عظيم).. هذه المرحلة عبارة عن خطوة أمامية من الوعي الشعري كما أعتقد، وقد كتب عنه نقاد مهمون في مشهدنا الثقافي مثل الأستاذ محمد العباس والأستاذ محمد الحرز كما تناوله نقاد من خارج المملكة. وقد طبعته بعد فوزي بمسابقة البابطين الشعرية متزامنا مع ما قدمته لي تلك المسابقة من وهج إعلامي خصوصا وأن دورة البابطين ذاك العام كانت عن الشاعر اللبناني الأخطل الصغير وتم عقدها في بيروت.
[/COLOR]
المطرقة الأولى كانت في التصفيات المبدئية المؤهلة للدخول في المسابقة وذلك بعدما ألقيت قصيدتي (الخلاص) وقال لي أحد أعضاء لجنة التحكيم وهو الناقد المصري المعروف الدكتور صلاح فضل: (أنا لا أجيزك).. فيما أجازني الأعضاء الأربعة الآخرون ودخلت في المسابقة. لم أعرف سبب عدم إجازته لي للدخول في المسابقة، وربما كنت أجامل نفسي كثيراً فاتهمته بارتكاب خطأ سوف يبقى نقطة سوداء في تاريخه، ونسيت في غمرة هذه المجاملة لذاتي أن الرجل له وجهة نظر خاصة يجب احترامها مهما كانت قاسية على شخصي.
لماذا أقصي بعض الشعراء من الموسوعات الشعرية؟!
مشهدنا الثقافي يعاني من الإقصاء والأحادية
جاسم الصحيح شاعر عذب يتقن العزف على الأوتار المحببة لمتابعيه.. يرسم قصائده بعبارات راقية وصور جميلة وموسيقى آسرة.. شارك مؤخراً في أمير الشعراء وخرج ثالثاً في الوقت الذي توقع متابعوه نتيجة أفضل.
بعد هذه المشاركة المشرقة له كان لنا معه هذا الحوار:
* شاركت مؤخراً في مسابقة أمير الشعراء، فبم خرجت من تلك التجربة سلباً وإيجاباً؟
- بدأت مسابقة أمير الشعراء وانتهت بمطرقتين هوتا على رأسي بعنف حتى أنني لم أفق من وقعهما إلا بعد فترة زمنية من ختام المسابقة ومعرفة أسرارها الخفية.
المطرقة الأولى كانت في التصفيات المبدئية المؤهلة للدخول في المسابقة وذلك بعدما ألقيت قصيدتي (الخلاص) وقال لي أحد أعضاء لجنة التحكيم وهو الناقد المصري المعروف الدكتور صلاح فضل: (أنا لا أجيزك).. فيما أجازني الأعضاء الأربعة الآخرون ودخلت في المسابقة. لم أعرف سبب عدم إجازته لي للدخول في المسابقة، وربما كنت أجامل نفسي كثيراً فاتهمته بارتكاب خطأ سوف يبقى نقطة سوداء في تاريخه، ونسيت في غمرة هذه المجاملة لذاتي أن الرجل له وجهة نظر خاصة يجب احترامها مهما كانت قاسية على شخصي.
أما المطرقة الثانية فقد هوت على رأسي في الحلقة الأخيرة من المسابقة وذلك عندما تم إعلاني ثالثاً بينما كنت أتوقع لنفسي -كما كان يتوقع جميع المتابعين للمسابقة- أن أفوز بأحد المركزين الأول أو الثاني.
وما بين تلك المطرقتين جرت أحداث وقصص وحكايات لا يمكن أن أحصرها في مقابلة صحفية أبداً، إلا أن خلاصة ذلك كله هو أنني راض عن المحصلة النهائية لعلمي أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان وذلك بسبب شروط المسابقة وخصوصاً التصويت. بصراحة تامة، لم أكن أتخيل قبل الدخول في المسابقة أن شرط التصويت سيكون أخذه بجدية.. وربما لم أتخيل ذلك حتى بعد الجولة الأولى من المسابقة. ولكن حينما وصلنا إلى الجولة الثانية وبدأت الأسماء الكبيرة تغادر المسابقة بسبب ضعف التصويت لها، أدركت أن شرط التصويت يمثل حجر أساس في زوايا المسابقة وأن القادم أخطر وأخطر.
* يرى محبوك أنك لم توفق كثيراً في اختيار قصائدك وأنك تملك الأفضل، فما تعليقك؟
- كان اختيار القصائد المناسبة للمسابقة مع كل جولة أتقدم فيها هو الأمر الأكثر تعقيداً في المسابقة. ولم يكن ذلك خاصاً بي وإنما المتسابقين حيث إن القصيدة المختارة يجب أن تناسب ذوق لجنة التحكيم وذوق الجمهور الحاضر في آن واحد. وإذا ما آمنا أن لجنة التحكيم تمثل ذائقة جمالية نخبوية خصوصاً وأن معظم أعضائها هم أساتذة أدب ونقد في الجامعات، فإن الجمهور الذي حضر في مسرح شاطئ الراحة (خصوصاً في حلقات البرنامج الأولى) في مجمله يميل للشعر المباشر بدلاً من القصائد ذات الشعرية الرمزية.. بالنسبة لي، ربما يكون لدي قصائد أهم فنياً من القصائد التي شاركت بها في المسابقة، ولكن لا أعتقد أنني أملك قصائد تناسب المسابقة أفضل مما قدمت. إضافة إلى ذلك ربما تعجبني بعض قصائدي أكثر من البعض الآخر، وربما يختلف معي الناس المطلعون على قصائدي حسب ذائقتهم فاختلاف الأذواق أمر طبيعي خصوصاً في الشؤون الإبداعية.
* هل اعتماد التصويت بنسبة كبيرة مناسب لمثل هذه المسابقة؟
- في وجهة نظري يجب حذف التصويت تماماً من شروط المسابقة ليكون الإبداع هو الفيصل الأول فيها. ولكن كما يعلم الجميع أن مسألة التصويت مسألة خارجة عن نطاق تصرف المتسابقين فهي معتمدة من قبل (هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي) كشرط من شروط المسابقة قبل بدايتها، وليس بوسع المتسابق إلا أن يوافق على هذا الشرط أو أن ينثني عن المشاركة في المسابقة من الأصل. ولكن لو استشارت (الهيئة) كل المتسابقين في شأن التصويت لأجابوا برأي واحد أن الاستغناء عنه سوف يمنح المسابقة دعماً إبداعياً أكبر.
* ارتجلت أبياتاً عن الصحراء في الحلقة الأخيرة من مسابقة أمير الشعراء فما هو رأيك إجمالاً في القصائد المرتجلة؟
- الارتجال ليس دليلاً على الشاعرية، وعدم الارتجال ليس دليلاً على عدم الشاعرية. القصائد المرتجلة عادة لا تتمخض عن شعر حقيقي وإنما عن حالة من النظم، وفي أحسن الأحوال قد تنتج إيقاعاً جميلاً وسبكاً محكماً ولكن من الصعب أن تنجب شعراً عميقاً إلا ما ندر.
* بعيداً عن مسابقة أمير الشعراء، دعنا نعود إلى البدايات ونسأل: هل جاءك الشعر أم جئته؟
- الشعر كأي موهبة أخرى في الحياة عبارة عن بذرة مطمورة في أعماق النفس لا تبدأ بالتململ والحركة في عتمة قاعها إلا إذا جاء من يحركها. وفي هذه الحالة، القراءات الأولى هي التي تدفع بتلك البذرة للتململ داخل النفس حد الخروج من تربتها على شكل برعم وتتفتح عن زهرة الكتابة في نهاية المطاف. أعتقد أن هذا ما حصل لي مع البداية، وأن هذا ما يحصل مع كل الشعراء.
* علاقة الشاعر والجمهور علاقة حميمة ولكن ينتابها الفتور، فمتى تعرض جاسم الصحيح لمثل هذا الفتور؟
- لا أذكر أنني تعرضت لمثل هذا الفتور فهناك دائما معجبون يحتضنون قصائدي حتى تفقس في أرواحهم حبا وشغفا. أنا أكتب للناس ولا أعتمد الغموض في كتاباتي لأن جمالية القصيدة لا تأتي على حساب المأساة الإنسانية. لذلك، كل قصائدي مفهومة عند أبسط الناس على الصعيد المعرفي وهذا ما يجعل الناس في مجملها راضية عن كتاباتي.. ولكنه الأمر ذاته أيضا، الذي يجعل بعض النقاد غير راضين عن ذات الكتابات.
* أيهما أهم لديك: أدبية النص أم وصوله للمتلقي؟
- أنا أعتقد أن سر وصول النص للمتلقي يكمن في أدبية هذا النص.. بمعنى أن أدبية النص تساعد على وصوله للمتلقي ولا تعارض بينهما أبدا. أما أن نكتب بأصابع الغموض وحبر الإبهام لدرجة أن القصيدة تأتي مغلقة الأبواب والنوافذ، ثم نلوم المتلقين على عدم فهمها لأن القصيدة عالية في مستواها الفني.. هذا العمل ليس عملا إبداعيا ولا ينم عن أدبية نص فائقة تحول دون النص والمتلقي.
* أيهما أقرب إلى جاسم الصحيح بوصفه قارئا لا شاعرا: شعر التفعيلة أم الشعر العمودي؟
- صدقني لا يهمني الشكل كثيرا فأنا أنحاز للجمال حيثما أجده سواء كان في الشعر الحر أو حتى في الشعر المنثور. بالنسبة لي، لا يوجد شكل ميت في الشعر فكل أشكاله حية ويمكن أن تبقى خالدة ما دام هناك من يسعى على سقايتها ورعايتها.
* هل الصنعة في الشعر ضرورية لكماله؟
- لا بد للشاعر أن يراجع دفقاته الوجدانية على أضواء شموع الصنعة لأن التدفق الأول للقصيدة يأتي من حالة الوجد التي تمثل مرحلة اللاوعي فيها، ولكن النصف الآخر من القصيدة هو حالة الوعي الذي يقدم حالة فلسفية مثقفة تخفف من طغيان الغياب على المعاني.
* هل ترى أن المشهد الشعري السعودي يبشر بجيل قادم من الشعراء أم ينذر بانتهاء الكبار؟
- الشعر في حد ذاته طائر قادم بالبشارة في كل الأجيال فلا يمكن لهذا الطائر أن يغيب أبدا، ولا يمكن له إلا أن يأتي حاملا بريد التفاؤل من جيل إلى جيل. أنا أعتقد أن المشهد يبشر بجيل قادم ولا ينذر بانهيار الجيل الماضي لأن الجيل الماضي قال كلمته وفصل عبارته على منوال أحلامه وآلامه. المشكلة التي أخشى منها هي مشكلة القطيعة بسبب التعالي والاعتداد المفرط بالنفس. والأخطر من القطيعة مشكلة الإقصاء بسبب التعصب للرأي الأحادي كما هو حاصل في مشهدنا الثقافي حيث يتم إقصاء بعض الشعراء من بعض الموسوعات الشعرية بسبب انتمائهم لشكل من أشكال الشعر دون الانتماء للشكل الآخر.
* من هو الشاعر الذي دائما ما تجده في شعرك وتجدك في شعره؟
- هذا سؤال جميل جدا.. ولكن لا يمكن لي أن أحدد شاعرا بذاته فأنا أدني خليطا من تجارب شعراء كثيرين امتزجت بهم روحيا وأثروا تجربتي على الصعيد المعرفي والإنساني. أعتقد أن كل شاعر يجد نفسه في القصيدة الجميلة لدرجة أنه يتخيل أنه كاتبها ويتيه في صحراء خياله حتى يصاب بالحمى والمرض من فرط الإعجاب. بمعنى أن الإعجاب قد يقاس بدرجة الحرارة في بعض الأحيان!
* ديوانك (رقصة عرفانية) الذي نفدت نسخته من الأسواق بسرعة.. هل يمثل استثناء من بين دواوينك الأخرى.. وإن كان كذلك، فما هو هذا الاستثناء؟
- ديوان (رقصة عرفانية) يمثل مرحلة مفصلية في تجربتي الشعرية على بساطتها (فلا تظن أنني أتحدث عن تاريخ شعري عظيم).. هذه المرحلة عبارة عن خطوة أمامية من الوعي الشعري كما أعتقد، وقد كتب عنه نقاد مهمون في مشهدنا الثقافي مثل الأستاذ محمد العباس والأستاذ محمد الحرز كما تناوله نقاد من خارج المملكة. وقد طبعته بعد فوزي بمسابقة البابطين الشعرية متزامنا مع ما قدمته لي تلك المسابقة من وهج إعلامي خصوصا وأن دورة البابطين ذاك العام كانت عن الشاعر اللبناني الأخطل الصغير وتم عقدها في بيروت.
[/COLOR]